الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

136

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لأنه المقصود من الاستدلال بأفانين الدلائل على دقيق صنع اللّه تعالى . وفي « الكشاف » : ضرب البحرين العذب والمالح مثلا للمؤمن والكافر ، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا . والبحر في كلام العرب : اسم للماء الكثير القار في سعة ، فالفرات والدجلة بحران عذبان وبحر خليج العجم ملح . وتقدم ذكر البحرين عند قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ في سورة الفرقان [ 53 ] وقد اتحدا في إخراج الحيتان والحلية ، أي اللؤلؤ والمرجان ، وهما يوجد أجودهما في بحر العجم حيث مصبّ النهرين ، ولماء النهرين العذب واختلاطه بماء البحر الملح أثر في جودة اللؤلؤ كما بيّناه فيما تقدم في سورة النحل ، فقوله : وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا كلّية ، وقوله : وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً كلّ لا كلية لأن من مجموعها تستخرجون حلية . وكلمة كُلٍّ صالحة للمعنيين ، فعطف وَتَسْتَخْرِجُونَ من استعمال المشترك في معنييه . فالاختلاف بين البحرين بالعذوبة والملوحة دليل على دقيق صنع اللّه . والتخالف في بعض مستخرجاتهما والتماثل في بعضها دليل آخر على دقيق الصنع وهذا من أفانين الاستدلال . والعذب : الحلو حلاوة مقبولة في الذوق . والملح بكسر الميم وسكون اللام : الشيء الموصوف بالملوحة بذاته لا بإلقاء ملح فيه ، فأما الشيء الذي يلقى فيه الملح حتى يكتسب ملوحة فإنما يقال له : مالح ، ولا يقال : ملح . ومعنى : سائِغٌ شَرابُهُ أن شربه لا يكلف النفس كراهة ، وهو مشتق من الإساغة وهي استطاعة ابتلاع المشروب دون غصة ولا كره . قال عبد اللّه بن يعرب : فساغ لي الشراب وكنت قبلا * أكاد أغصّ بالماء الحميم والأجاج : الشديد الملوحة ، وتقدم ذكر البحر في قوله تعالى : وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ في سورة الأنعام [ 59 ] ، وبقية الآية تقدم نظيره في أول سورة النحل . وتقديم الظرف في قوله : فِيهِ مَواخِرَ على عكس آية سورة النحل ، لأن هذه الآية مسوقة مساق الاستدلال على دقيق صنع اللّه تعالى في المخلوقات وأدمج فيه الامتنان